فصل: توقّف

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


توسعة

التّعريف

1 - التّوسعة والتّوسيع‏:‏ لغة‏:‏ مصدر وسّع الشّيء أي جعله واسعا، وهي ضدّ التّضييق، ووسّع اللّه عليه في الرّزق أغناه‏.‏

والتّوسعة في الرّزق أو النّفقة والبسط بمعنى واحد، وفي المصباح المنير، والبسطة‏:‏ السّعة، وبسط اللّه الرّزق‏:‏ كثّره ووسّعه، و ‏{‏كُلَّ البَسْطِ‏}‏ كناية عن الإسراف والتّبذير‏.‏ والتّوسعة غير الإسراف، ولا يخرج معناه الاصطلاحيّ عن ذلك‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الإسراف والتّبذير‏:‏

2 - الإسراف في اللّغة‏:‏ التّبذير والإغفال والخطأ، وقال إياس بن معاوية‏:‏ ما جاوزت به أمر اللّه فهو سرف وإسراف‏.‏

وفي معنى التّبذير قال الشّافعيّ رضي الله عنه‏:‏ التّبذير‏:‏ إنفاق المال في غير حقّه‏.‏

ولا تبذير في عمل الخير، وهذا قول الجمهور‏.‏

وقال السّدّيّ‏:‏ ‏{‏ولا تُسْرِفُوا‏}‏ ولا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء‏.‏

فالتّوسعة غير الإسراف، لأنّ التّوسعة محمودة لعدم تجاوز الحدّ الشّرعيّ في قدر الإنفاق‏.‏

ب - القصد والاقتصاد‏:‏

3 - من معاني القصد والاقتصاد التّوسّط بين الإسراف وبين التّقتير، وهو أن تكون النّفقة على قدر الحاجة‏.‏

ج - التّقتير والإقتار‏:‏

4 - التّقتير والإقتار وهو أن يكون الإنفاق أقلّ من الحاجة‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ إذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولم يَقْتُرُوا وَكَانَ بَينَ ذَلكَ قَوَامَاً‏}‏‏.‏

الحكم التّكليفي

5 - التّوسعة في إنفاق المسلم على نفسه وعلى عياله سنّة لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتي أَخْرَجَ لِعِبَادِه وَالطَّيِّبَاتِ مِن الرِّزْقِ‏}‏ ولقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنّ اللّه يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده» ولقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «فإنّ اللّه إذا أنعم على عبد أحبّ أن يرى أثر نعمته عليه»‏.‏

ويشترط فيها أن تكون في غير سرف ولا مخيلة‏.‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّه لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ‏}‏ ولقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «كلوا واشربوا والبسوا وتصدّقوا في غير إسراف ولا مخيلة»‏.‏

ويشترط في التّوسعة في الصّدقة أن تكون عن ظهر غنى‏.‏ لما روي «عن كعب بن مالك فقلت يا رسول اللّه‏:‏ إنّ من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى اللّه ورسوله صلى الله عليه وسلم فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك»‏.‏ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «اليد العليا خير من اليد السّفلى وابدأ بمن تعول وخير الصّدقة ما كان عن ظهر غنى»‏.‏

الأوقات الّتي يتأكّد فيها التّوسعة

أ - التّوسعة في العيدين والجمعة‏:‏

6 - تتأكّد مشروعيّة التّوسعة على العيال في أيّام الأعياد بأنواع ما يحصل به لهم بسط النّفس وترويح البدن من كلف العبادة، كما أنّ إظهار السّرور في الأعياد شعار هذا الدّين، واللّعب والزّفن في أيّام العيدين مباح، في المسجد وغيره، إذا كان على النّحو الوارد في حديث عائشة رضي الله عنها في لعب الحبشة بالسّلاح‏.‏

ويستحبّ أن يتنظّف المرء ويلبس أحسن ما يجد ويتطيّب ويتسوّك‏.‏

وذلك لما روي عن عائشة قالت‏:‏ «دخل عليّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنّيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه، وجاء أبو بكر فانتهرني وقال‏.‏ مزمارة الشّيطان عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأقبل عليه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ دعهما‏.‏ فلمّا غفل غمزتهما فخرجتا»‏.‏ وفي رواية هشام «يا أبا بكر إنّ لكلّ قوم عيدا وهذا عيدنا»، «وكان يوم عيد يلعب فيه السّودان بالدّرق والحراب، فإمّا سألت النّبيّ صلى الله عليه وسلم وإمّا قال‏:‏ تشتهين تنظرين ‏؟‏ قلت‏:‏ نعم، فأقامني وراءه خدّي على خدّه وهو يقول‏:‏ دونكم يا بني أرفدة حتّى إذا مللت قال‏:‏ حسبك ‏؟‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فاذهبي»‏.‏ وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ «وجد عمر حلّة من إستبرق تباع في السّوق فأخذها، فأتى بها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول اللّه ابتع هذه فتجمّل بها للعيد والوفد، فقال‏:‏ إنّما هذه لباس من لا خلاق له»‏.‏

قال في المغني‏:‏ وهذا يدلّ على أنّ التّجمّل عندهم في هذه المواضع كان مشهوراً‏.‏

وقال الشّوكانيّ‏:‏ ووجه الاستدلال بهذا الحديث على مشروعيّة التّجمّل للعيد تقريره صلى الله عليه وسلم لعمر على أصل التّجمّل للعيد وقصر الإنكار على من لبس مثل تلك الحلّة لكونها كانت حريرا‏.‏ وعن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه رضي الله عنهم «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يلبس برد حبرة في كلّ عيد»‏.‏

وعن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ما على أحدكم إن وجد أن يتّخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته»‏.‏

وقال مالك‏:‏ سمعت أهل العلم يستحبّون الطّيب والزّينة في كلّ عيد، والإمام بذلك أحقّ، لأنّه المنظور إليه من بينهم إلا أنّ المعتكف يستحبّ له الخروج في ثياب اعتكافه ليبقى عليه أثر العبادة والنّسك‏.‏ وقال أحمد في رواية المرّوذيّ‏:‏ طاوس كان يأمر بزينة الثّياب، وعطاء قال‏:‏ هو يوم التّخشّع واستحسنهما جميعا، وذكر استحباب خروجه في ثياب اعتكافه في غير هذا الموضع‏.‏

ومن التّوسعة في العيدين، الأضحيّة في عيد الأضحى، وصدقة الفطر في عيد الفطر‏.‏

ب - التّوسعة في رمضان‏:‏

7 - تستحبّ التّوسعة في رمضان في غير سرف ولا مخيلة، لما روي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال‏:‏ «كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أجود النّاس بالخير، وكان أجود ما يكون حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كلّ ليلة في رمضان حتّى ينسلخ يعرض عليه النّبيّ صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الرّيح المرسلة»‏.‏ وعن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ «قيل يا رسول اللّه‏:‏ فأيّ الصّدقة أفضل ‏؟‏ قال‏:‏ صدقة رمضان»‏.‏ قال في المجموع‏:‏ قال أصحابنا‏:‏ والجود والإفضال مستحبّ في شهر رمضان، وفي العشر الأواخر أفضل اقتداء برسول اللّه صلى الله عليه وسلم وبالسّلف، ولأنّه شهر شريف فالحسنة فيه أفضل من غيره، ولأنّ النّاس يشتغلون فيه بصيامهم، وزيادة طاعتهم عن المكاسب، فيحتاجون فيه إلى المواساة‏.‏

ج - التّوسعة في عاشوراء‏:‏

8 - قال بعض الفقهاء تستحبّ التّوسعة على العيال والأهل في عاشوراء، واستدلّوا بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ « من وسّع على أهله في يوم عاشوراء أوسع اللّه عليه سائر سنته»‏.‏

وقال ابن تيميّة في كتابه «اقتضاء الصّراط المستقيم ومخالفة أصحاب الجحيم «‏:‏ وقد روي في التّوسعة على العيال آثار معروفة‏:‏ أعلى ما فيها حديث إبراهيم بن محمّد بن المنتشر عن أبيه قال‏:‏ من وسّع على أهله يوم عاشوراء وسّع اللّه عليه سائر سنته «وهذا بلاغ منقطع لا يعرف قائله، ثمّ قال‏:‏ وتوسيع النّفقات فيه هو من البدع المحدثة‏.‏

د - التّوسعة في ألوان الطّعام والشّراب‏:‏

9 - أحلّ اللّه الأكل والشّرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة، فأمّا ما تدعو الحاجة إليه، وهو ما سدّ الجوعة، وسكّن الظّمأ فمندوب إليه عقلاً وشرعاً لما فيه من حفظ النّفس وحراسة الحواسّ، ولذلك ورد الشّرع بالنّهي عن الوصال لأنّه يضعف الجسد، ويميت النّفس، ويضعف العبادة، وذلك يمنع منه الشّرع ويدفعه العقل، وليس لمن منع نفسه قدر الحاجة حظّ من برّ ولا نصيب من زهد، لأنّ ما حرّمها من فعل الطّاعة بالعجز والضّعف أكثر ثوابا وأعظم أجرا‏.‏ قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا‏}‏‏.‏

وقد اختلف في الزّائد على قدر الحاجة على قولين‏:‏ فقيل حرام، وقيل مكروه‏.‏

قال ابن العربيّ‏:‏ وهو الصّحيح‏.‏ فإنّ قدر الشّبع يختلف باختلاف البلدان والأزمان والأسنان «الأعمار «والطّعمان‏.‏ ثمّ قيل‏:‏ في قلّة الأكل منافع كثيرة‏:‏ منها‏:‏ أن يكون الرّجل أصحّ جسما، وأجود حفظا، وأزكى فهما، وأقلّ نوماً، وأخفّ نفساً‏.‏ والكثرة في الأكل والشّرب تثقل المعدة، وتثبط الإنسان عن خدمة ربّه، والأخذ بحظّه من نوافل الخير‏.‏

فإن تعدّى ذلك إلى ما فوقه ممّا يمنعه من القيام بالواجب عليه حرم عليه، وكان قد أسرف في مطعمه ومشربه، روى أسد بن موسى من حديث «عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال‏:‏ أكلت ثريداً بلحم سمين، فأتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأنا أتجشّأ، فقال‏:‏ اكفف عليك من جشائك أبا جحيفة، فإنّ أكثر النّاس شبعاً في الدّنيا أطولهم يوم القيامة جوعا فما أكل أبو جحيفة بملء بطنه حتّى فارق الدّنيا، وكان إذا تغدّى لا يتعشّى،وإذا تعشّى لا يتغدّى»‏.‏

وروى مسلم عن ابن عمر قال‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحد» والمراد بالمؤمن التّامّ الإيمان لأنّ من حسن إسلامه وكمل إيمانه كأبي جحيفة تفكّر فيما يصير إليه من أمر الموت وما بعده، فيمنعه الخوف والإشفاق من تلك الأهوال من استيفاء شهواته‏.‏ كما ورد في حديث لأبي أمامة رفعه «من كثر تفكّره قلّ طعمه، ومن قلّ تفكّره كثر طعمه وقسا قلبه»‏.‏

وقال في الفتح تعليقا على حديث ابن عمر‏:‏ ولا يلزم من هذا اطّراده في حقّ كلّ مؤمن وكافر، فقد يكون في المؤمنين من يأكل كثيرا إمّا بحسب العادة، وإمّا لعرض يعرض له من مرض باطن أو لغير ذلك‏.‏

10 - وقد اختلف في ترك الطّيّبات والإعراض عن اللّذّات، فقال قوم‏:‏ ليس ذلك من القربات، والفعل والتّرك يستوي في المباحات‏.‏

قال آخرون‏:‏ ليس قربة في ذاته وإنّما هو سبيل إلى الزّهد في الدّنيا، وقصر الأمل فيها، وترك التّكلّف لأجلها، وذلك مندوب إليه، والمندوب قربة، ونقل عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قوله‏:‏ لو شئنا لاتّخذنا صلاء، وصلائق، وصنابا، ولكنّي سمعت اللّه عزّ وجلّ يذمّ أقواما فقال‏:‏ ‏{‏أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُم في حَياتِكُم الدُّنْيا‏}‏‏.‏

ويروى صرائق بالرّاء وهما جميعا الجرادق، والصّلائق جمع صليقة وهي اللّحم المشويّ، والصّلاء بكسر الصّاد والمدّ الشّواء، والصّناب الخردل بالزّبيب، وفرّق آخرون بين حضور ذلك كلّه بكلفة وبغير كلفة، قال أبو الحسن عليّ بن الفضل المقدسيّ وهو الصّحيح إن شاء اللّه عزّ وجلّ، فإنّه لم ينقل عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه امتنع عن طعام من أجل طيبه قطّ بل كان يأكل الحلوى والعسل، والبطّيخ والرّطب، وإنّما يكره التّكلّف لما فيه من التّشاغل بشهوات الدّنيا عن مهمّات الآخرة‏.‏

قال القرطبيّ‏:‏ وقد كره بعض الصّوفيّة أكل الطّيّبات، واحتجّ بقول عمر رضي الله عنه‏:‏ إيّاكم واللّحم، فإنّ له ضراوة كضراوة الخمر‏.‏

والجواب أنّ هذا من عمر قول خرج على من خشي منه إيثار التّنعّم في الدّنيا والمداومة على الشّهوات، وشقاء النّفس من اللّذّات، ونسيان الآخرة، والإقبال على الدّنيا، ولذلك كان عمر يكتب إلى عمّاله‏:‏ إيّاكم والتّنعّم وزيّ أهل العجم، واخشوشنوا، ولم يرد رضي الله عنه تحريم شيء أحلّه اللّه، ولا تحظير ما أباحه اللّه تبارك اسمه، وقول اللّه أولى ما امتثل واعتمد عليه‏:‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتي أَخْرَجَ لِعِبَادِه وَالطَّيِّبَاتِ مِن الرِّزْقِ‏}‏ وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ «سيّد الإدام في الدّنيا والآخرة اللّحم» وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة‏:‏ «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يأكل البطّيخ بالرّطب ويقول‏:‏ نكسر حَرَّ هذا ببرد هذا، وبرد هذا بِحَرِّ هذا»‏.‏ والطِّبِّيخ لغة في البِطّيخ‏.‏ وعن سعد بن أبي وقّاص قال‏:‏ «أراد عثمان بن مظعون أن يتبتّل فنهاه النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولو أجاز له ذلك لاختصينا»‏.‏

قال القرطبيّ‏:‏ قال علماؤنا‏:‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكم وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدينَ‏}‏ وما شابه هذه الآية والأحاديث الواردة في معناها ردّ على غلاة الزّاهدين، وعلى أهل البطالة من المتصوّفين، إذ كلّ فريق منهم قد عدل عن طريقه وحاد عن تحقيقه، قال الطّبريّ‏:‏ لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء ممّا أحلّ اللّه لعباده المؤمنين على نفسه من طيّبات المطاعم والملابس والمناكح إذا خاف على نفسه بإحلال ذلك بها بعض العنت والمشقّة، ولذلك «ردّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم التّبتّل على ابن مظعون» فثبت أنّه لا فضل في ترك شيء ممّا أحلّه اللّه لعباده، وأنّ الفضل والبرّ إنّما هو في فعل ما ندب عباده إليه، وعمل به رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وسنّه لأمّته واتّبعه على منهاجه الأئمّة الرّاشدون، فإذا كان كذلك تبيّن خطأ من آثر لبس الشّعر والصّوف على لباس القطن والكتّان إذا قدر على لباس ذلك من حلّه، وآثر أكل الخشن من الطّعام وترك اللّحم وغيره حذرا من عارض الحاجة إلى النّساء‏.‏

قال الطّبريّ‏:‏ فإن ظنّ ظانّ أنّ الخير في غير الّذي قلنا لما في لباس الخشن وأكله من المشقّة على النّفس، وصرف ما فضل بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة فقد ظنّ خطأ، وذلك أنّ الأولى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ربّها، ولا شيء أضرّ للجسم من المطاعم الرّديئة، لأنّها مفسدة لعقله ومضعفة لأدواته الّتي جعلها اللّه سببا إلى طاعته‏.‏ وقد جاء رجل إلى الحسن البصريّ، فقال‏:‏ لي جار لا يأكل الفالوذج فقال‏:‏ ولم ‏؟‏ قال‏:‏ لا يؤدّي شكره، فقال الحسن‏:‏ أفيشرب الماء البارد ‏؟‏ فقال‏:‏ نعم، فقال‏:‏ إنّ جارك جاهل، فإنّ نعمة اللّه عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذج‏.‏

قال القرطبيّ‏:‏ وما شهوة الأشياء اللّذّة ومنازعة النّفس إلى طلب الأنواع الشّهيّة، فمذاهب النّاس في تمكين النّفس منها مختلفة‏.‏ فمنهم من يرى صرف النّفس عنها وقهرها عن اتّباع شهواتها أحرى ليذلّ قيادها ويهون عليه عنادها، فإنّه إذا أعطاها المراد يصير أسير شهواته ومنقادا بانقيادها‏.‏

وقال آخرون‏:‏ تمكين النّفس من لذّاتها أولى لما فيه من ارتياحها ونشاطها بإدراك إرادتها‏.‏ وقال آخرون‏:‏ بل التّوسّط في ذلك أولى لأنّ في عطائها ذلك مرّة ومنعها أخرى جمعا بين الأمرين، وذلك النّصف من غير شين‏.‏

قال جابر‏:‏ اشتهى أهلي لحما فاشتريته لهم، فمررت بعمر بن الخطّاب رضي الله عنه فقال ما هذا يا جابر ‏؟‏ فأخبرته، فقال‏:‏ أوكلّما اشتهى أحدكم شيئا جعله في بطنه ‏؟‏، أما يخشى أن يكون من أهل هذه الآية‏:‏ ‏{‏أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُم في حَيَاتِكُمْ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا‏}‏‏.‏

قال ابن العربيّ‏:‏ وهذا عتاب منه له على التّوسّع بابتياع اللّحم والخروج عن جلف الخبز والماء، فإنّ تعاطي الطّيّبات من الحلال تستشره لها الطّباع وتستمرئها العادة، فإذا فقدتها استسهلت في تحصيلها بالشّبهات، حتّى تقع في الحرام المحض بغلبة العادة، واستشراه الهوى على النّفس الأمّارة بالسّوء، فأخذ عمر الأمر من أوّله وحماه من ابتدائه كما يفعله مثله‏.‏ والّذي يضبط هذا الباب ويحفظ قانونه أنّ على المرء أن يأكل ما وجد طيّبا كان أو قفارا - أي بلا إدام -، ولا يتكلّف الطّيّب ويتّخذه عادة، وقد «كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يأكل الحلوى إذا قدر عليها ويشرب العسل إذا اتّفق له، ويأكل اللّحم إذا تيسّر ولا يعتمده أصلاً، ولا يجعله ديدنا»، ومعيشة النّبيّ صلى الله عليه وسلم معلومة، وطريقة الصّحابة منقولة، فأمّا اليوم عند استيلاء الحرام، وفساد الحطام، فالخلاص عسير، واللّه يهب الإخلاص، ويعين على الخلاص برحمته‏.‏

وقيل‏:‏ في معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ‏}‏ الآية‏:‏ واقع على ترك الشّكر لا على تناول الطّيّبات المحلّلة، وهو حسن، فإنّ تناول الطّيّب الحلال مأذون فيه، فإذا ترك الشّكر عليه، واستعان به على ما لا يحلّ له فقد أذهبه‏.‏

هـ – التّوسعة في اللّباس‏:‏

11 – يستحبّ لبس الثّوب الحسن، والنّعل الحسن، وتخيّر اللّباس الجميل، لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر، فقال رجل‏:‏ إنّ الرّجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، قال‏:‏ إنّ اللّه جميل يحبّ الجمال، الكبر بطر الحقّ، وغمط النّاس»‏.‏

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنّ اللّه يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده»‏.‏

قال الشّوكانيّ‏:‏ ولا شكّ أنّ لبس ما فيه جمال زائد من الثّياب يجذب بعض الطّباع إلى الزّهو والخيلاء والكبر، وقد كان هديه صلى الله عليه وسلم - كما قال الحافظ ابن القيّم - أن يلبس ما تيسّر من اللّباس، الصّوف تارة، والقطن أخرى، والكتّان تارة، ولبس البرود اليمانيّة، والبرد الأخضر، ولبس الجبّة، والقباء، والقميص، إلى أن قال‏:‏ فالّذين يمتنعون عمّا أباح اللّه من الملابس والمطاعم والمناكح تزهّدا وتعبّدا بإزائهم طائفة قابلوهم فلا يلبسون إلا أشرف الثّياب، ولم يأكلوا إلا أطيب وألين الطّعام، وكلا الطّائفتين هديه مخالف لهدي النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال بعض السّلف‏:‏ كانوا يكرهون الشّهرتين من الثّياب العالي والمنخفض، وفي السّنن عن ابن عمر يرفعه إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من لبس ثوب شهرة في الدّنيا ألبسه اللّه ثوب مذلّة يوم القيامة، ثمّ ألهب فيه النّار» وهذا لأنّه قصد به الاختيال والفخر فعاقبه اللّه بنقيض ذلك‏.‏ إلى آخر كلامه‏.‏

وقال ابن عابدين‏:‏ اعلم أنّ الكسوة فيها فرض‏:‏ وهو ما يستر العورة ويدفع الحرّ والبرد، والأولى كونه من القطن، أو الكتّان، أو الصّوف على وفاق السّنّة بأن يكون ذيله لنصف ساقه وكمّه لرءوس أصابعه، وفمه قدر شبر، كما في «النّتف «بين النّفيس والخسيس إذ خير الأمور أوساطها، وللنّهي عن الشّهرتين وهو ما كان في نهاية النّفاسة والخساسة‏.‏

ومستحبّ‏:‏ وهو الزّائد لأخذ الزّينة وإظهار نعمة اللّه تعالى‏.‏ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏

«إنّ اللّه يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده»‏.‏

ومباح‏:‏ وهو الثّوب الجميل للتّزيّن في الأعياد والجمع ومجامع النّاس لا في جميع الأوقات لأنّه صلف وخيلاء، وربّما يغيظ المحتاجين فالتّحرّز عنه أولى، ومكروه‏:‏ وهو اللّبس للتّكبّر‏.‏ ثمّ قال‏:‏ وفي الهنديّة عن السّراجيّة‏:‏ لبس الثّياب الجميلة مباح إذا لم يتكبّر، وتفسيره‏:‏ أن يكون معها كما كان قبلها‏.‏

و - التّوسّعة في بناء المساجد‏:‏

12 - حضّ الشّارع على بناء المساجد‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏في بُيوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ‏}‏ قال مجاهد وعكرمة‏:‏ تعلى وتبنى، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإذْ يَرْفَعُ إبْرَاهيمُ القَوَاعِدَ مِن البَيتِ وَإسْمَاعِيلُ‏}‏ وروي عن عثمان بن عفّان قال‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «من بنى للّه مسجداً بنى اللّه له مثله في الجنّة» وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة تحضّ على بناء المساجد‏.‏

ز - تشييد المساجد وزخرفتها‏:‏

13 - قال البغويّ‏:‏ التّشييد‏:‏ رفع البناء وتطويله‏.‏ ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ‏}‏ وهي الّتي طوّل بناؤها، وقيل المراد بالبروج المشيّدة، المجصّصة، والزّخرفة، الزّينة‏.‏ وقد اختلف العلماء في الزّخرفة، فكرهها قوم، منهم الشّافعيّة، بل قال الأذرعيّ‏:‏ ينبغي أن يحرم لما فيه من إضاعة المال لا سيّما إن كان من مال المسجد‏.‏ وأباحها آخرون، فروى حمّاد بن سلمة عن أيّوب عن أبي قلابة وقتادة كلاهما عن أنس‏:‏ أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «لا تقوم السّاعة حتّى يتباهى النّاس في المساجد»‏.‏

وقال أنس‏:‏ يتباهون بها ثمّ لا يعمّرونها إلا قليلاً‏.‏

وعن ابن عبّاس قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ما أمرت بتشييد المساجد» قال ابن عبّاس‏:‏ لنزخرفها كما زخرفت اليهود والنّصارى‏.‏

وقال أبو سعيد‏:‏ كان سقف المسجد من جريد النّخل، وأمر عمر ببناء المسجد وقال‏:‏ أكنّ النّاس من المطر، وإيّاك أن تحمّر أو تصفّر فتفتن النّاس‏.‏

قال ابن بطال‏:‏ كأن عمر فهم ذلك من «ردّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لخميصة إلى أبي جهم من أجل الأعلام الّتي فيها وقال‏:‏ إنّها ألهتني عن صلاتي»‏.‏ واحتجّ من أباح ذلك بأنّ فيه تعظيم المساجد، واللّه أمر بتعظيمها في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏في بيوت أذن اللّه أن ترفع‏}‏ يعني تعظّم، وروي عن عثمان أنّه بنى مسجد النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالسّاج وحسّنه، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنّه نقش مسجد النّبيّ صلى الله عليه وسلم وبالغ في عمارته وتزيينه، وذلك في زمن ولايته على المدينة المنوّرة قبل خلافته، وذكر أنّ الوليد بن عبد الملك بن مروان أنفق في عمارة مسجد دمشق وفي تزيينه مثل خراج الشّام ثلاث مرّات،وروي أنّ سليمان بن داود عليهما السلام بنى مسجد بيت المقدس وبالغ في تزيينه‏.‏ قال في الفتح‏:‏ وأوّل من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك بن مروان في أواخر عهد الصّحابة، وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفا من الفتنة، ورخّص في ذلك بعضهم وهو قول أبي حنيفة إذا وقع ذلك على سبيل التّعظيم للمساجد، ولم يقع الصّرف على ذلك من بيت المال، وقال ابن المنير‏:‏ لمّا شيّد النّاس بيوتهم وزخرفوها ناسب أن نصنع ذلك بالمساجد صونا لها عن الاستهانة‏.‏

ح - تطييب المساجد‏:‏

14 - تطييب المساجد مشروع عند الجمهور‏.‏ قال الزّركشيّ‏:‏ يستحبّ تجمير المسجد بالبخور، وكان عبد اللّه بن المجمّر يجمّر المسجد إذا قعد عمر على المنبر، وأنكر مالك تجمير المساجد، واستحبّ بعض السّلف تخليق المساجد بالزّعفران والطّيب، وروي عنه صلى الله عليه وسلم فعله، وقال الشّعبيّ‏:‏ هو سنّة، وذكر ابن أبي شيبة عن ابن أبي نجيح أنّ ابن الزّبير لمّا بنى الكعبة طلا حيطانها بالمسك‏.‏

ط - التّوسّعة في المسكن‏:‏

15 - أجاز بعض الفقهاء البناء الرّفيع كالقصور ونحوها، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاذْكُرُوا إذ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ في الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورَاً وَتْنِحُتونَ الجِبَالَ بُيوتَاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ولا تَعْثَوا في الأرْضِ مُفْسِدينَ‏}‏ ولقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِن الرِّزْقِ‏}‏ ذكر أنّ ابنا لمحمّد بن سيرين بنى دارا وأنفق فيها مالاً كثيراً، فذكر ذلك لمحمّد بن سيرين فقال‏:‏ ما أرى بأسا أن يبني الرّجل بناء ينفعه‏.‏ وروي أنّه عليه الصلاة والسلام قال‏:‏ «إذا أنعم اللّه على عبد أحبّ أن يرى أثر نعمته عليه»‏.‏ ومن آثار النّعمة البناء الحسن والثّياب الحسنة‏.‏

وكره ذلك آخرون منهم الحسن البصريّ وغيره‏.‏

توقّف

التّعريف

1 - التّوقّف في اللّغة‏:‏ التّلوّم والتّلبّث والتّمكّث‏.‏ يقال‏:‏ توقّف عن الأمر إذا أمسك عنه وامتنع وكفّ‏.‏ وتوقّف في الأمر تمكّث وانتظر ولم يمض فيه رأياً‏.‏

واستعمل الفقهاء والأصوليّون التّوقّف بمعنى عدم إبداء قول في المسألة الاجتهاديّة لعدم ظهور وجه الصّواب فيها للمجتهد‏.‏

الحكم الإجماليّ ومواطن البحث

أوّلا‏:‏ التّوقّف عند الأصوليّين‏:‏

بحث الأصوليّون التّوقّف في مسائل، منها‏:‏

أ - التّوقّف بعد نسخ الوجوب‏:‏

2 - اتّفق علماء الأصول على أنّه إذا نسخ الوجوب بنصّ دالّ على الجواز، كنسخ وجوب صوم عاشوراء، أو دالّ على النّهي عنه كنسخ التّوجّه إلى بيت المقدس، يعمل بمقتضى النّصّ النّاسخ من الجواز أو التّحريم‏:‏

واختلفوا فيما إذا نسخ الوجوب من غير إبانة الجواز أو التّحريم‏:‏

فقال الحنفيّة‏:‏ حكمه التّوقّف إلى قيام دليل آخر على الجواز أو التّحريم، لأنّ دليل الجواز المقارن للحرج في التّرك - وهو معنى الوجوب - زال بالنّسخ، فلا يبقى دليل للجواز أو عدم الجواز، فنتوقّف إلى أن يقوم دليل على أحد الأمرين‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ إذا نسخ الوجوب من غير إبانة الجواز والتّحريم بقي الجواز بالنّصّ المنسوخ، لأنّ الوجوب يتضمّن الجواز، فإنّه جواز مع الحرج في التّرك، والنّاسخ لا ينافيه، فبقي على ما كان من الجواز وانتفى الحرج في التّرك‏.‏

ب - التّوقّف عن العمل بالعامّ قبل البحث عن المخصّص‏:‏

3 - قال بعض الأصوليّين والفقهاء منهم الحنفيّة‏:‏ إنّه يجوز العمل بالعامّ قبل البحث عن المخصّص، لأنّ العامّ قطعيّ الدّلالة، فيستفاد منه الحكم قطعا، ولا يتوقّف على عدم احتمال المعارض، كما لا يتوقّف حكم الخاصّ على عدم احتمال النّسخ والتّأويل‏.‏

وقد روي أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه حكم بالدّية في الأصابع بمجرّد العلم بكتاب عمرو بن حزم رضي الله عنه، وترك القياس والرّأي، ولم يبحث عن المخصّص‏.‏ ولم ينقل عن واحد من الصّحابة قطّ التّوقّف في العامّ إلى البحث عن المخصّص، ولا إنكار واحد منهم على من تمسّك بالعامّ قبل البحث عن المخصّص‏.‏

وقال بعضهم بالتّوقّف عن العمل بالعامّ قبل البحث عن المخصّص، لأنّ كلّ عامّ يحتمل التّخصيص، ولا حجّة مع الاحتمال المعارض‏.‏

هذا وقد وفّق بعضهم بين الرّأيين فقال‏:‏ «إنّ العامّيّ يلزمه العمل بعموم العامّ كما سمع، وأمّا الفقيه فيلزمه أن يحتاط لنفسه فيقف ساعة لاستكشاف هذا الاحتمال بالنّظر في الأشباه مع كونه حجّة للعمل به إن عمل، لكن يقف احتياطا حتّى لا يحتاج إلى نقض ما أمضاه «‏.‏

ج - التّوقّف في أنّ الأمر للفور أو التّراخي‏:‏

4 - صرّح بعض الأصوليّين منهم الجوينيّ بأنّ الأمر المطلق مشترك بين الفور والتّراخي فيتوقّف فيه إلى ظهور الدّلائل، ومعنى التّوقّف أنّا لا ندري أنّ أوّل الوقت يتعيّن للامتثال فيأثم بالتّأخير، أو يسوغ للمكلّف أداء الواجب في أوّل الوقت أو آخره فلا يأثم بالتّأخير‏.‏ وتفصيل هذه المسائل في الملحق الأصوليّ‏.‏

ثانياً‏:‏ التّوقّف عند الفقهاء‏:‏

بحث الفقهاء التّوقّف في مسائل، منها‏:‏

أ - توقّف الخصم عن جواب الدّعوى أو عن حلف اليمين‏:‏

5 - إن توقّف المدّعى عليه عن جواب الدّعوى للتّروّي أو عن حلف اليمين إذا توجّهت عليه لا يعتبر نكولا ما لم يحكم القاضي بنكوله‏.‏

وينظر تفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏دعوى، نكول‏)‏‏.‏

ب - توقّف القاضي عن الحكم‏:‏

6 - صرّح الفقهاء في باب الرّجوع عن الشّهادة بأنّه إذا رجع الشّهود عن الشّهادة قبل الحكم امتنع الحكم بها، ولا تقبل لو أعادوها‏.‏

أمّا إذا سألوا الحاكم أن يتوقّف عن الحكم بشهادتهم فيجب عليه التّوقّف، ثمّ إذا قالوا له‏:‏ احكم فله الحكم إن أعادوا الشّهادة عند الحنابلة وبغير إعادة لها عند الشّافعيّة‏.‏

وذكر المالكيّة أنّه إذا أشكل الحكم على الحاكم فإنّه يتوقّف ولا يحكم، وكذلك إذا تبيّن له الحقّ وهو يرى أنّه متى أوقع الحكم تفاقم الأمر بين المتنازعين وعظم الأمر وخشيت الفتنة‏.‏ وتفصيل هذه المسائل والخلاف فيها في مصطلح‏:‏ ‏(‏دعوى، شهادة، قضاء‏)‏‏.‏

ج - توقّف أثر العقد‏:‏

7 - ذكر الفقهاء أنّ العقد قد يكون منعقدا لكن يتوقّف أثره على شيء آخر، كالقبض أو الإجازة أو غيرهما، فقد صرّح الحنفيّة أنّ البيع الفاسد - وهو ما يكون مشروعا بأصله لا بوصفه - بيع حقيقة ومنعقد وإن توقّف حكمه أي الملك على القبض‏.‏

والبيع الموقوف - وهو ما تعلّق به حقّ الغير، كبيع الصّبيّ وبيع الفضوليّ عقد صحيح يفيد الحكم بلا توقّف على القبض عند جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة وفي رواية عند الحنابلة -، لكنّه موقوف على الإجازة، كما فصّل في مصطلح‏:‏ ‏(‏البيع الموقوف‏)‏‏.‏

د - التّوقّف في الفتوى‏:‏

8 - ذكر الفقهاء في آداب الفتوى أنّه ينبغي للمفتي أن يتأمّل في المسألة تأمّلاً شافياً، وإذا لم يعرف حكمها يتوقّف حتّى يتبيّن له الصّواب، ويكون توقّفه في المسألة السّهلة الّتي لا يعلم حكمها كالصّعبة ليعتاده‏.‏

ولا يجوز التّساهل في الفتوى، كأن يتسرّع ولا يتثبّت في الفتوى قبل استيفاء حقّها من النّظر والفكر‏.‏ قال الحطّاب‏:‏ من عرف بالتّساهل في الفتوى لم يجز أن يستفتى، وربّما يكون التّساهل بإسراعه وعدم تثبّته، وقد يحمله على ذلك توهّمه أنّ السّرعة براعة، والبطء عجز، ولأن يبطئ ولا يخطئ أجمل به من أن يضلّ ويضلّ‏.‏

وقد روى النّوويّ عن السّلف وفضلاء الخلف التّوقّف عن الفتيا في كثير من المسائل، كما نقل عن الأئمّة الأربعة ومن بعدهم من الفقهاء أنّهم توقّفوا عن الإجابة في مسائل كثيرة‏.‏ قال ابن عابدين‏:‏ وفي ذلك تنبيه لكلّ مفت أن لا يستنكف من التّوقّف فيما لا وقوف له عليه، إذ المجازفة افتراء على اللّه تعالى بتحريم الحلال وضدّه «‏.‏

وتفصيله في مصطلح‏:‏ ‏(‏فتوى‏)‏‏.‏

توقيت

انظر‏:‏ تأقيت‏.‏

توقيف

التّعريف

1 - التّوقيف مصدر وقّف بالتّشديد والتّوقيف‏:‏ الاطّلاع على الشّيء، يقال‏:‏ وقفته على ذنبه‏:‏ أطلعته عليه، ووقّفت القارئ توقيفا‏:‏ إذا أعلمته مواضع الوقوف‏.‏

وتوقيف النّاس في الحجّ‏:‏ وقوفهم بالمواقف‏.‏

والتّوقيف كالنّصّ - نصّ الشّارع المتعلّق ببعض الأمور - يقال‏:‏ أسماء اللّه توقيفيّة‏.‏ ويستعمل التّوقيف أيضا بمعنى منع التّصرّف في الشّيء‏.‏

ولا يخرج معناه الاصطلاحيّ عمّا ورد في اللّغة‏.‏

الحكم التّكليفي

2 - التّوقيف في إثبات الأسماء والصّفات للّه تعالى‏.‏

قال صاحب شرح جوهرة التّوحيد‏:‏ اختار جمهور أهل السّنّة أنّ أسماء اللّه تعالى توقيفيّة، وكذا صفاته، فلا تثبت له اسما ولا صفة إلّا إذا ورد بذلك توقيف من الشّارع‏.‏

وذهبت المعتزلة إلى جواز إثبات ما كان اللّه متّصفا بمعناه ولم يوهم نقصا وإن لم يرد به توقيف من الشّارع، ومال إليه القاضي أبو بكر الباقلّانيّ‏.‏ وتوقّف فيه إمام الحرمين‏.‏ وفصّل الغزاليّ فجوّز إطلاق الصّفة، وهي ما دلّ على معنى زائد على الذّات، ومنع إطلاق الاسم وهو ما دلّ على نفس الذّات‏.‏ والمختار مذهب الجمهور‏.‏

3 - وفي المواقف في علم الكلام‏:‏ تسميته تعالى بالأسماء توقيفيّة أي يتوقّف إطلاقها على الإذن فيه، وذلك للاحتياط احترازا عمّا يوهم باطلا لعظم الخطر في ذلك‏.‏

والّذي ورد به التّوقيف في المشهور تسعة وتسعون اسما‏.‏

وقال ابن كثير‏:‏ ليعلم أنّ الأسماء الحسنى غير منحصرة في تسعة وتسعين، بدليل ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد اللّه بن مسعود رضي الله عنه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ «ما أصاب أحداً همٌّ ولا حزن قطّ‏.‏ فقال‏:‏ اللّهمّ إنّي عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك، أو علّمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همّي، إلا أذهب اللّه همّه وحزنه وأبدله مكانه فرجاً فقيل يا رسول اللّه‏:‏ ألا نتعلّمها ‏؟‏ فقال‏:‏ بلى‏.‏ ينبغي لمن سمعها أن يتعلّمها»‏.‏ وقد أخرجه الإمام أبو حاتم بن حبّان البستيّ في صحيحه بمثله، وذكر الفقيه الإمام أبو بكر بن العربيّ أحد أئمّة المالكيّة في كتابه الأحوذيّ في شرح التّرمذيّ أنّ بعضهم جمع من الكتاب والسّنّة من أسماء اللّه ألف اسم، فاللّه أعلم‏.‏

التّوقيف في ترتيب آي القرآن الكريم وسوره

4 - جاء في مسلّم الثّبوت‏:‏ أجمع أهل الحقّ أي أهل السّنّة والجماعة على أنّ ترتيب آي كلّ سورة توقيفيّ أي بأمر اللّه تعالى وبأمر الرّسول صلى الله عليه وسلم وعلى هذا انعقد الإجماع لا شبهة فيه، وتواتر بلا شبهة عنه صلى الله عليه وسلم‏.‏

وفي الإتقان‏:‏ الإجماع والنّصوص المترادفة على أنّ ترتيب الآيات توقيفيّ لا شبهة في ذلك‏.‏ أمّا الإجماع فنقله غير واحد منهم الزّركشيّ في البرهان، وأبو جعفر بن الزّبير في مناسباته، وعبارته ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه صلى الله عليه وسلم وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين‏.‏ ثمّ قال صاحب مسلّم الثّبوت‏:‏ أمّا ترتيب السّور فيما بينها، فالمحقّقون على أنّه من أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقيل‏:‏ هذا التّرتيب باجتهاد من الصّحابة واستدلّ عليه ابن فارس باختلاف المصاحف في ترتيب السّور‏.‏ فمصحف أمير المؤمنين عليّ كان على ترتيب النّزول، ومصحف ابن مسعود على غير هذا، والحقّ هو الأوّل‏.‏ ثمّ قال‏:‏ إنّ هذا التّرتيب المتوارث المتواتر بلا شبهة فيما بين الآيات والسّور من عند اللّه تعالى قطعاً‏.‏

ونقل الزّركشيّ في ذلك خلافا ولم يرجّح شيئاً لا أنّه قال في آخر كلامه، وترتيب بعضها بعد بعض ليس هو أمرا أوجبه اللّه، بل أمر راجع إلى اجتهادهم واختيارهم، ولهذا كان لكلّ مصحف ترتيب، ولكن ترتيب المصحف العثمانيّ أكمل‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ الملحق الأصوليّ‏)‏‏.‏

التّوقيف في مقدّرات الشّريعة

5 - ذكر السّيوطيّ في الأشباه أنّ مقدّرات الشّريعة على أربعة أقسام‏:‏

أحدها‏:‏ ما يمنع فيه الزّيادة والنّقصان كأعداد الرّكعات، والحدود، وفروض المواريث‏.‏ الثّاني‏:‏ ما لا يمنع من الزّيادة والنّقصان كالثّلاث في الطّهارة‏.‏

الثّالث‏:‏ ما يمنع فيه الزّيادة دون النّقصان كخيار الشّرط بثلاث، وإمهال المرتدّ ثلاثا‏.‏ الرّابع عكسه‏:‏ كالثّلاث في الاستنجاء، والتّسبيع في الولوغ، والطّواف، والخمس في الرّضاع، ونصب الزّكاة، والشّهادة، والسّرقة‏.‏

وهذا التّفصيل للشّافعيّة وفي بعض هذه المسائل خلاف يرجع إليه في مواضعه‏.‏

التّوقيف بمعنى منع التّصرّف في المدّعى به

6 - استعمل الفقهاء التّوقيف بمعنى منع التّصرّف في المدّعى به‏.‏

يقول ابن فرحون في التّبصرة‏:‏ توقيف المدّعى به ثلاثة أنواع‏:‏

النّوع الأوّل‏:‏ توقيف العقار وينقسم إلى قسمين‏:‏ دور، وأراض، والتّوقيف لا يكون بمجرّد دعوى الخصم في الشّيء المدّعى به، ولا يعقل على أحد شيء بمجرّد دعوى الغير فيه حتّى ينضمّ إلى ذلك سبب يقوّي الدّعوى كشهادة العدل أو لطخ - الشّهود غير العدول - فإذا ثبت هذا فالاعتقال في الرّباع على وجهين‏:‏

الأوّل‏:‏ عند قيام الشّبهة الظّاهرة أو ظهور اللّطخ فيريد المدّعي توقيفه ليثبته، فالتّوقيف هنا بأن يمنع الّذي هو في يده «المدّعى عليه «أن يتصرّف فيه تصرّفا يفيته كالبيع والهبة، أو يخرجه به عن حاله، كالبناء والهدم ونحو ذلك من غير أن يرفع يده عنه‏.‏

الثّاني‏:‏ بعد أن يثبت المدّعي دعواه في ذلك بشهادة، قاطعة ويدّعي المستحقّ منه مدفعا فيما قامت به البيّنة للمدّعي، فيضرب للمستحقّ منه الآجال‏.‏ فيوقف المدّعى به حينئذ بأن ترفع يد الأوّل عنه، فإذا كانت دارا اعتقلت بالقفل، أو أرضا منع من حرثها، أو حانوتا له خراج وقف الخراج‏.‏

النّوع الثّاني‏:‏ توقيف الحيوان - فمن ادّعى دابّة بيد رجل وأراد توقيفها ليأتي على ذلك ببيّنة فإن كان في ذلك بعد، فليس ذلك له، وإن كان ما ادّعى من البيّنة بموضعه ذلك وقفه فيما قرب من يوم ونحوه، فإن لم يأت بمن يشهد له فلا شيء له، ثمّ لا يكون له يمين على المدّعى عليه في إنكار دعواه، لأنّه يقول‏:‏ لا علم عندي ممّا تقول‏.‏

فإن ظنّ به علم ذلك حلف‏.‏

النّوع الثّالث‏:‏ توقيف ما يسرع إليه الفساد، كاللّحم ورطب الفواكه وما أشبه ذلك فإن شهد للمدّعي شاهد وأبى أن يحلف، وقال عندي شاهد آخر أو أتى بلطخ وادّعى بيّنة قاطعة، فإنّه يؤجّل أجلا لا يفسد في مثله ذلك الشّيء، فإن أحضر ما يستحقّ به، وإلّا خلّي بين المدّعى عليه ومتاعه‏.‏ ويقول الحنفيّة‏:‏ إذا كان المدّعى به منقولا وطلب المدّعي من القاضي أن يضعه على يدي عدل ولم يكتف بإعطاء المدّعى عليه كفيلا بنفسه وبنفس المدّعى به - فإن كان المدّعى عليه عدلا فالقاضي لا يجيبه، وإن كان فاسقا أجابه‏.‏

ولو ادّعى عقارا في يدي رجل، وأقام بيّنة لا يأمره القاضي بالوضع على يدي عدل ولا بالكفيل به، إلّا أن يكون أرضا فيها شجر فيه ثمر فيوضع على يدي عدل‏.‏

وإذا تنازع شخصان في عقار، ولم يثبت أحد من الخصمين كونه ذا اليد يحلف كلّ منهما بطلب الآخر على عدم كون خصمه ذا اليد في ذلك العقار، فإن نكلا عن اليمين يثبت كونهما ذوي اليد في ذلك العقار ويشتركان فيه‏.‏ وإن نكل أحدهما وحلف الآخر، يحكم بكون الحالف ذا اليد مستقلّا بذلك العقار، ويعدّ الآخر خارجا‏.‏ وإن حلفا معا فلا يحكم لأحد منهما بكونه ذا اليد، ويوقف العقار المدّعى به إلى ظهور حقيقة الحال‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ إذا ادّعى على رجل عينا في يده، وكان للمدّعي بيّنة غائبة أو حاضرة لكنّها مجهولة، وخاف من نقلها، أو ادّعى عليه دينا أو أعيانا حاضرة من عقار وغيره فأنكر، ولم يكن له بيّنة حاضرة، وخيف من إقراره بما هو في يده لأولاده أو لغيرهم، وجرى هذا في بلد قد عمّ هذا بينهم، واشتهر هذا فيما لديهم، وهذا المدّعى عليه أشهر من غيره في فعل هذا فالتمس المدّعي الحجر عليه إلى أن يقيم البيّنة، فذكر بعض الشّافعيّة فيه خلافا، ورأى القاضي حسين وآخرون - أنّه إن عرف المدّعى عليه بالحيلة واستمرّت له عادة بها حجر الحاكم عليه ورأى غيرهم من الشّافعيّة أنّ هذا كالمفلس إذا أحاطت به الدّيون وتحقّق أنّ خرجه أكثر من دخله وخيف عليه فوات ماله، وهناك يتعيّن ضرب الحجر عليه على الأصحّ، فهذا قريب الشّبه به‏.‏

وقال الشّافعيّة أيضا‏:‏ إذا أقام المدّعي شاهدين مجهولين وطلب الحيلولة بين الدّاخل وبينه إلى أن يزكّي بيّنته هل يجاب إليه ‏؟‏ فيه وجهان‏.‏

والظّاهر من كلام الحنابلة على ما جاء في المغني أنّهم لا يقولون بالتّوقيف في الدّعوى‏.‏ ومن ذلك توقيف مال الغائب واليتيم‏.‏ وكذلك توقيف قسم التّركة أو جزء منها بسبب الحمل أو الفقد ‏(‏ر‏:‏ إرث‏)‏‏.‏

توقيف المولي

7 - من آلى من زوجته ومضت مدّة الإيلاء «أربعة أشهر «فاختلف الفقهاء هل تطلق بانقضاء المدّة ‏؟‏ أم يقفه القاضي، فإمّا فاء وإمّا طلّق ‏؟‏‏.‏

ذهب جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى أنّه يقفه الحاكم بعد انقضاء الأربعة الأشهر فإمّا فاء وإمّا طلّق، ولا تطلق زوجته بنفس مضيّ المدّة، قال أحمد‏:‏ في الإيلاء يوقف، عن الأكابر من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن عمر شيء يدلّ على ذلك، وعن عثمان وعليّ، وجعل يثبت حديث عليّ، وبه قال ابن عمر وعائشة، وروي ذلك عن أبي الدّرداء، وقال سليمان بن يسار‏:‏ كان تسعة عشر رجلا من أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم يوقفون في الإيلاء، وقال سهيل بن أبي صالح‏:‏ سألت اثني عشر من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم فكلّهم يقول‏:‏ ليس عليه شيء حتّى يمضي أربعة أشهر فيوقف، فإن فاء وإلّا طلّق، وبهذا قال سعيد بن المسيّب وعروة ومجاهد وطاووس‏.‏

ودليل ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِلَّذِينَ يُؤلُونَ مِنْ نِسَائِهم تَرَبُّصُ أَرْبَعةِ أشْهُرٍ فَإنْ فَاءوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏‏.‏ وظاهر ذلك أنّ الفيئة بعد أربعة أشهر، لذكره الفيئة بعدها بالفاء المقتضية للتّعقيب، ثمّ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏}‏‏.‏

ولو وقع بمضيّ المدّة لم يحتج إلى عزم عليه‏.‏

وذهب الحنفيّة إلى أنّ الطّلاق يقع بعد مضيّ المدّة من غير فيء، لأنّه بالإيلاء عزم على منع نفسه من إيفاء حقّها في الجماع في المدّة وأكّد العزم باليمين، فإذا مضت المدّة، ولم يفئ إليها مع القدرة على الفيء فقد حقّق العزم المؤكّد باليمين بالفعل، فتأكّد الظّلم في حقّها، فتبين منه عقوبة له جزاء على ظلمه ومرحمة عليها، ولا يوقف، لأنّ اللّه تعالى جعل مدّة التّربّص أربعة أشهر والوقف يوجب الزّيادة على المدّة المنصوص عليها‏.‏

توكّل

التّعريف

1 - التّوكّل في اللّغة‏:‏ إظهار العجز والاعتماد على الغير والتّفويض والاستسلام، والاسم منه الوكالة‏.‏ يقال‏:‏ وكّل أمره إلى فلان أي فوّضه إليه، واعتمد عليه فيه، وتوكّل على اللّه اعتمد عليه ووثق به، واتّكل عليه في أمره كذلك‏.‏

والتّوكّل أيضا قبول الوكالة، يقال وكّلته توكيلا فتوكّل‏.‏

وفي الشّريعة يطلق التّوكّل على الثّقة باللّه والإيقان بأنّ قضاءه ماض، واتّباع لسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم في السّعي فيما لا بدّ له منه من الأسباب‏.‏

حكم التّوكّل

2 - التّوكّل بمعنى الثّقة باللّه، والاعتماد عليه في كلّ الأمور واجب، ومأمور به في كثير من آيات القرآن الكريم، وفي سنّة الرّسول صلى الله عليه وسلم‏:‏

قال عزّ من قائل لنبيّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏وَشَاورْهمْ في الأمْرِ فإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ على اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوكِّلِينَ‏}‏ وأمر المؤمنين كذلك بالتّوكّل على اللّه، وقال‏:‏ تباركت أسماؤه‏:‏ ‏{‏وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّل المُؤمِنونَ‏}‏ وقال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَقالَ موسى يَا قَومِ إنْ كُنْتُم آمَنْتُم باللَّهِ فَعَلَيه تَوكَّلُوا إنْ كُنْتُم مُسْلِمينَ‏}‏‏.‏

3 - أمّا التّوكّل بمعنى جعل الغير وكيلا عنه يتصرّف في شؤونه فيما يقبل النّيابة، فهو جائز ويأتي بحثه في مصطلح‏:‏ ‏(‏وكالة‏)‏‏.‏

4 - وأمّا التّوكّل بمعنى‏:‏ الاعتماد على اللّه والثّقة به والرّجوع إليه في كلّ الأمور‏:‏ فهو من أعمال القلب كالإيمان، ومعرفة اللّه، والتّفكّر والصّبر والرّضا بالقضاء والقدر، ومحبّة اللّه سبحانه وتعالى، ومحبّة نبيّه صلى الله عليه وسلم والتّطهّر من الرّذائل الباطنة كالحقد، والحسد، والرّياء في العمل، لا يدخل في مباحث الفقه‏.‏

وموطنه الأصليّ‏:‏ كتب التّوحيد، وعلم الأخلاق‏.‏

التّوكّل لا يتنافى مع الأخذ بالأسباب

5 - ذهب عامّة الفقهاء، ومحقّقو الصّوفيّة إلى أنّ التّوكّل على اللّه لا يتنافى مع السّعي والأخذ بالأسباب من مطعم، ومشرب، وتحرّز من الأعداء وإعداد الأسلحة، واستعمال ما تقتضيه سنّة اللّه المعتادة، مع الاعتقاد أنّ الأسباب وحدها لا تجلب نفعا، ولا تدفع ضرّا، بل السّبب - العلاج - والمسبّب - الشّفاء - فعل اللّه تعالى، والكلّ منه وبمشيئته، وقال سهل‏:‏ من قال‏:‏ التّوكّل يكون بترك العمل، فقد طعن في سنّة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال الرّازيّ في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَشَاورْهُمْ في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ على اللَّهِ‏}‏ دلّت الآية على أنّه ليس التّوكّل أن يهمل الإنسان نفسه كما يقول بعض الجهّال وإلا كان الأمر بالمشاورة منافيا للأمر بالتّوكّل‏.‏ بل التّوكّل على اللّه‏:‏ أن يراعي الإنسان الأسباب الظّاهرة ولكن لا يعوّل بقلبه عليها، بل يعوّل على اللّه تعالى‏.‏

وجمهور علماء المسلمين على أنّ التّوكّل الصّحيح إنّما يكون مع الأخذ بالأسباب‏.‏

وبدونه تكون دعوى التّوكّل جهلاً بالشّرع وفساداً في العقل‏.‏

وقيل لأحمد‏:‏ ما تقول فيمن جلس في بيته ومسجده وقال لا أعمل شيئا حتّى يأتي رزقي‏.‏ فقال أحمد‏:‏ هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «جعل رزقي تحت ظلّ رمحي»‏.‏ وقال عمر رضي الله عنه‏:‏ لا يقعد أحدكم عن طلب الرّزق ويقول اللّهمّ ارزقني، وقد علمتم أنّ السّماء لا تمطر ذهبا ولا فضّة‏.‏

وقد تواتر الأمر بالأخذ بالأسباب في القرآن وسنّة الرّسول صلى الله عليه وسلم‏.‏

أخرج ابن حبّان في صحيحه‏:‏ «أنّ رجلا جاء إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأراد أن يترك ناقته وقال‏:‏ أأعقلها وأتوكّل، أو أطلقها وأتوكّل ‏؟‏ فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ اعقلها، وتوكّل»‏.‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكفّ اللّه بها وجهه خير له من أن يسأل النّاس أعطوه أو منعوه»‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبَاً‏}‏ والغنيمة اكتساب، وقال تعالى ‏{‏فَاضْرِبُوا فَوقَ الأعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَان‏}‏ والضّرب عمل، وقال‏:‏ ‏{‏فَامْشُوا في مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا منْ رِزْقِهِ‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَأَعِدُّوا لهم مَا اسْتَطَعْتُم مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيلِ‏}‏‏.‏

وأمر الرّسول صلى الله عليه وسلم بالتّداوي‏:‏ وقال «تداووا عباد اللّه، فإنّ اللّه تعالى لم يضع داء إلا وضع معه الشّفاء»‏.‏

وقال شارح ثلاثيّات مسند أحمد في شرح الحديث‏:‏ وصفهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ بالعبوديّة إيماء إلى أنّ التّداوي لا ينافي التّوكّل‏:‏ أي تداووا ولا تعتمدوا في الشّفاء على التّداوي‏.‏ بل كونوا متوكّلين عليه سبحانه وتعالى، فالتّداوي لا ينافي التّوكّل، كما لا ينافيه رفع الجوع والعطش بالأكل والشّرب وتجنّب المهلكات، والدّعاء بطلب العافية ودفع المضارّ، وقال‏:‏ وفي الأحاديث السّابقة إثبات للأسباب، وأنّها لا تنافي التّوكّل على اللّه لمن اعتقد أنّها بإذن اللّه وتقديره ولا تشفي بذواتها بل بما قدّر اللّه فيها‏.‏

وقد قرن النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ التّوكّل بترك الأعمال الوهميّة دون غيرها، جاء في حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما‏:‏ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «يدخل الجنّة من أمّتي سبعون ألفا بغير حساب، فقالوا من هم يا رسول اللّه ‏؟‏ فقال‏:‏ الّذين لا يسترقون ولا يتطيّرون، ولا يكتوون، وعلى ربّهم يتوكّلون»‏.‏ وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ «لو أنّكم توكّلتم على اللّه حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطّير تغدو خماصا وتروح بطاناً»‏.‏

وهو ظاهر في أنّ التّوكّل يكون مع السّعي، لأنّه ذكر للطّير عملا وهو الذّهاب صباحاً في طلب الرّزق، وهي فارغة البطون، والرّجوع وهي ممتلئتها‏.‏

تِوَلة

انظر‏:‏ تعويذة ‏.‏

تولّي

التّعريف

1 - التّولّي‏:‏ مصدر تولّى، وأصله الثّلاثيّ‏:‏ ولي‏.‏

والتّولّي يأتي في اللّغة بمعان كثيرة، منها‏:‏ النّصرة‏:‏ ويقال تولّيت فلانا أي اتّخذته وليّاً‏.‏ والاتّباع والرّضا، يقال‏:‏ تولّيته‏:‏ أطعته‏.‏ والتّقلّد‏.‏

ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَهَلْ عَسَيتُمْ إنْ تَوَلَّيتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أرْحَامَكُمْ‏}‏‏.‏

قال أبو العالية‏:‏ إن تولّيتم الحكم فجعلتم حكّاما أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرّشا‏.‏

وفعل المرء الشّيء بنفسه‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذي تَوَلَّى كَبْرَه مِنْهُم له عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ أي ولي وزر الإفك وإشاعته‏.‏ والرّجوع والإدبار والإعراض والإقبال‏:‏ يقال‏:‏ تولّى إليه أي أقبل، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ تَوَلَّى إلى الظِّلِّ‏}‏‏.‏

وتَوَلَّى إذا عُدِّيَ بعَن لفظا أو تقديرا اقتضى معنى الإعراض‏.‏

ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَتَوَلَّ عَنْهم‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فَإنْ تَوَلَّوا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدينَ‏}‏‏.‏ والتّولّي قد يكون بالجسم وقد يكون بترك الإصغاء والائتمار، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلا تَولَّوا عَنْه وَأنْتُم تَسْمَعُونَ‏}‏‏.‏ ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن هذه المعاني اللّغويّة‏.‏

وقد استعملت هذه المعاني اللّغويّة في تعابير الشّرع كما تقدّم‏.‏

الحكم التّكليفي

2 - يختلف الحكم التّكليفيّ للتّولّي باختلاف موضوعه ومعانيه المتقدّمة، ومن أهمّها‏:‏ التّولّي يوم الزّحف، وتولّي القضاء ونحوه من الولايات، وتولّي المرأة عقد النّكاح، وتولّي الشّخص الواحد طرفي العقد، وتولّي الصّالحين وتولّي الفاسقين‏.‏

أوّلاً‏:‏ التّولّي يوم الزّحف

3 - الزّحف‏:‏ الدّنوّ قليلا، وأصله الاندفاع على الألية، ثمّ سمّي كلّ ماش في الحرب إلى الآخر زاحفا‏.‏ ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ التّولّي يوم الزّحف وهو الفرار من قتال الكفّار حرام، فلا يجوز للمسلم الّذي حضر صفّ القتال أن ينصرف إذا التقى الجمعان وتدانى الصّفّان، لقول اللّه عزّ وجلّ‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفَاً فلا تُوَلُّوهمْ الأدْبَارَ، وَمَنْ يُوَلِّهم يَومَئذٍ دُبُرَه إلا مُتَحَرِّفَاً لِقِتَالٍ أو مُتَحَيِّزَاً إلى فِئةٍ فَقَد بَاءَ بِغَضَبٍ مِن اللَّهِ وَمَأواه جَهَنَّمُ وَبِئسَ المَصِيرُ‏}‏ وقوله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئةٍ فَاثْبتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرَاً لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ‏}‏ نهى اللّه تعالى في الآيتين الأوليين - في الذّكر هنا - عن الفرار من الكفّار، وأمر في الآية الأخيرة بالثّبات عند قتالهم، فالتقى الأمر والنّهي على سواء، وهذا تأكيد على الوقوف للعدوّ والتّجلّد له‏.‏

وإنّما يحرم الفرار والتّولّي‏.‏ إذا لم يزد الكفّار على مثلي عدد المسلمين لقول اللّه تعالى‏:‏

‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ فَإنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائتَينِ‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

فإن زاد الكفّار على مثلي المسلمين لم يحرم الفرار، والصّبر أحسن، فقد وقف جيش مؤتة وهم ثلاثة آلاف في مقابلة مائتي ألف‏.‏

واعتبر الشّافعيّة وجمهور المالكيّة في تحريم الفرار العدد لا القوّة والعدّة، وذهب ابن الماجشون - من المالكيّة - وهو ما مال إليه القليوبيّ من الشّافعيّة - إلى اعتبار العدّة والقوّة، فيجوز عندهما انصراف مائة منّا ضعفاء عن مائتين إلّا واحدا أقوياء، أو مائة فارس من مائة فارس إذا علموا أنّ ما عند المشركين من النّجدة والبسالة ضعف ما عندهم‏.‏ وعلى قول الجمهور لا يحلّ فرار مائة مثلاً إلا ما زاد على المائتين‏.‏

وزاد المالكيّة حالة أخرى يحرم فيها الفرار، وهي ما إذا بلغ عدد المسلمين اثنتي عشر ألفا، فإن بلغوا هذا العدد لم يحلّ لهم الفرار، وإن زاد عدد الكفّار على المثلين لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «‏.‏‏.‏ ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلّة» فإنّ أكثر أهل العلم خصّصوا هذا العدد بهذا الحديث من عموم الآية‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ إنّما يحرم الفرار إذا بلغوا اثنتي عشر ألفا ما لم تختلف كلمتهم، وما لم يكن العدوّ بمحلّ مدده ولا مدد للمسلمين، وإلا جاز، وقد قيّد بعضهم محلّ الحرمة أيضاً‏:‏ فيما إذا كان في الاثني عشر نكاية للعدوّ، فإن لم يكن فيهم ذلك وظنّ المسلمون أنّ الكفّار يقتلونهم جاز الفرار‏.‏ وقال ابن عابدين‏:‏ في الخانيّة‏:‏ لا ينبغي للمسلمين أن يفرّوا إذا كانوا اثني عشر ألفا وإن كان العدوّ أكثر لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلّة»‏.‏‏.‏ والحاصل‏:‏ أنّه إذا غلب على ظنّه أنّه يغلب لا بأس بأن يفرّ، ولا بأس للواحد إذا لم يكن معه سلاح أن يفرّ من اثنين لهما سلاح، ويكره للواحد القويّ أن يفرّ من الكافِرَيْن، والمائة من المائتين في قول محمّد، ولا بأس أن يفرّ الواحد من الثّلاثة والمائة من الثّلاثمائة‏.‏ واستثني من الحكم بتحريم التّولّي عند الزّحف - بنصّ الآية الكريمة - المتحرّف لقتال وهو‏:‏ الّذي يظهر الهزيمة وينصرف ليتبعه العدوّ فيكمن ويهجم عليه فيقتله، أو ينصرف من مضيق ليتبعه العدوّ إلى متّسع سهل للقتال‏.‏‏.‏

وذلك من مكايد الحرب وفنون القتال فلا وزر فيه ولا حرمة‏.‏

وكذلك استثنت الآية من تحريم التّولّي عند الزّحف المتحيّز إلى فئة وهو‏:‏ الّذي ينصرف عن العدوّ بنيّة الذّهاب إلى فئة يستنجد ويستعين بها على القتال، ولا حرمة على من ينصرف بنيّة التّحيّز‏.‏ واشترط المالكيّة لجواز التّحرّف أو التّحيّز‏:‏ كون المتحرّف أو المتحيّز غير أمير الجيش والإمام، وأمّا هما فليس لهما التّحرّف ولا التّحيّز لحصول الخلل والمفسدة به، وزاد الشّافعيّة إلى المتحرّف والمتحيّز من عجز بمرض ونحوه فإنّ له الانصراف بكلّ حال‏.‏ والفرار - التّولّي - المحرّم كبيرة موبقة بظاهر القرآن الكريم وإجماع الأكثر من الأئمّة لما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «اجتنبوا السّبع الموبقات‏.‏‏.‏‏.‏ وفيه والتّولّي يوم الزّحف» وهي كبيرة تكفّرها التّوبة بعفو اللّه تعالى ومشيئته‏.‏ وتفصيل ذلك في مصطلح ‏(‏جهاد، سير‏)‏‏.‏

ثانياً‏:‏ تولّي القضاء

4 - تولّي القضاء ونحوه من الولايات تعتريه الأحكام الخمسة‏:‏

فيكون واجباً‏:‏ إن كان من يتولّاه أهلا للقضاء دون غيره لانفراده بشروطه، فحينئذ يفترض عليه التّقلّد صيانة لحقوق العباد وإخلاء للعالم عن الفساد، ولأنّ القضاء فرض كفاية ولا يوجد سواه يقدر على القيام به فتعيّن عليه، كغسل الميّت وتكفينه، وسائر فروض الكفاية‏.‏ ويكون مندوباً‏:‏ لصاحب علم خفيّ لا يعرفه النّاس، ووجدت فيه شروط القاضي، وذلك ليشهر علمه للنّاس فينتفع به‏.‏

ويكون حراماً‏:‏ لفاقد أهليّة القضاء، روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏

«القضاة ثلاثة وذكر منهم رجلا قضى بين النّاس بجهل فهو في النّار»، ولأنّ من لا يحسنه لا يقدر على العدل فيه فيأخذ الحقّ من مستحقّه فيدفعه إلى غيره‏.‏

ويكون مكروهاً‏:‏ لمن يخاف العجز عنه ولا يأمن على نفسه الحيف فيه، ولم يتعيّن عليه تولّيه، وكره بعضهم الدّخول فيه مختاراً لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكّين»‏.‏

ويكون مباحا‏:‏ للعدل المجتهد الصّالح للقضاء الّذي يثق بنفسه أن يؤدّي فرضه ولا يتعيّن عليه لوجود غيره مثله‏.‏

والحكم في سائر الولايات كالحكم في القضاء، وما يتّصل بشروط من يتولّى القضاء أو نحوه من الولايات وما إلى ذلك يرجع إليه في مصطلح ‏(‏قضاء، وإمامة‏)‏ إلخ‏.‏

ثالثاً‏:‏ تولّي المرأة عقد النّكاح

5 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ المرأة لا تزوّج نفسها ولا غيرها، أي لا ولاية لها في عقد النّكاح على نفسها ولا غيرها بالولاية، وهو ما نقله عن أبي يوسف كلّ من الطّحاويّ والكرخيّ وأنّه القول الّذي رجع إليه أخيراً على ما سيأتي، واستدلّوا لذلك بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم «لا نكاح إلا بوليّ» ومن الصّفات المشترطة في الوليّ الذّكورة، فإن تولّت المرأة تزويج نفسها أو غيرها لم يصحّ النّكاح، وروي هذا عن عمر وعليّ وابن مسعود وعائشة رضي الله عنهم، وإليه ذهب سعيد بن المسيّب والحسن وعمر بن عبد العزيز، والثّوريّ، وابن أبي ليلى وابن شبرمة‏.‏

واستدلّوا بقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏الرِّجَالُ قَوَّامُونَ على النِّسَاءِ‏}‏ أي قائمون بمصالحهنّ، ومنها ولاية تزويجهنّ كما يرشد إليه الحديث‏:‏ «لا نكاح إلا بوليّ» تنكير الوليّ فيه دليل على ذكورته، وإرادة التّغليب فيه مدفوعة بحديث‏:‏ «لا تزوّج المرأة المرأة، ولا المرأة نفسها»‏.‏ واستدلّوا كذلك بما روي عن عائشة رضي الله عنها عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ «أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل باطل باطل، فإن أصابها فلها المهر بما استحلّ من فرجها، فإن اشتجروا فالسّلطان وليّ من لا وليّ له»‏.‏

وقال أبو حنيفة في الرّواية الأولى عنه وهي ظاهر الرّواية‏:‏ تجوز مباشرة الحرّة البالغة العاقلة عقد نكاحها ونكاح غيرها مطلقا إلّا أنّه خلاف المستحبّ‏.‏ ورواية الحسن عن أبي حنيفة وهي المختارة للفتوى‏:‏ إن عقدت مع كفء جاز ومع غيره لا يصحّ‏.‏

ونقل عن أبي يوسف ثلاث روايات، اختلف في ترتيبها، فذكر السّرخسيّ أنّ أبا يوسف قال‏:‏ لا يجوز مطلقا إذا كان لها وليّ، ثمّ رجع إلى الجواز من الكفء لا من غيره، ثمّ رجع إلى الجواز مطلقا من الكفء وغيره‏.‏

وذكر الطّحاويّ أنّ قوله المرجوع إليه هو عدم الجواز إلّا بوليّ، وكذا الكرخيّ في مختصره حيث قال‏:‏ وقال أبو يوسف‏:‏ لا يجوز إلّا بوليّ وهو قوله الأخير‏.‏

قال الكمال‏:‏ ورجح قول الشّيخين ‏(‏الطّحاويّ والكرخيّ‏)‏ وهو أنّ قول أبي يوسف الّذي رجع إليه هو عدم الجواز، لأنّ الطّحاويّ والكرخيّ أقوم وأعرف بمذاهب أصحابنا‏.‏

وعن محمّد روايتان‏:‏ الأولى‏:‏ انعقاده موقوفا على إجازة الوليّ إن أجازه نفذ وإلا بطل، إلا أنّه إذا كان كفئا وامتنع الوليّ يجدّد القاضي العقد ولا يلتفت إليه‏.‏

والثّانية‏:‏ رجوعه إلى ظاهر الرّواية‏.‏ واستدلّا لظاهر الرّواية بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإذا بَلَغْنَ أَجَلَهنَّ فلا جُنَاحَ عَليكم فيما فَعلنَ في أَنْفسهِنَّ بِالمَعْروفِ‏}‏ وقوله عزّ وجلّ‏:‏ ‏{‏وَإذا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغنَ أَجَلهنَّ فَلا تَعضلوهنَّ أنْ يَنْكِحنَ أَزواجَهنَّ إذا تَرَاضَوا بينهمْ بِالمَعروفِ‏}‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏حَتَّى تَنْكِحَ زَوجَاً غَيرَه‏}‏، وهذه الآيات تصرّح بأنّ النّكاح ينعقد بعبارة النّساء، لأنّ النّكاح المذكور فيها منسوب إلى المرأة، ومن قال لا ينعقد بعبارة النّساء فقد ردّ نصّ الكتاب‏.‏ واستدلّ بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها» وبأنّها حرّة عاقلة بالغة فتكون لها الولاية على نفسها كالغلام ولتصرّفها في المال، وبأنّها لو أقرّت بالنّكاح صحّ ولو لم يكن لها إنشاء العقد لما صحّ‏.‏ وتفصيل ذلك في ‏(‏نكاح‏)‏‏.‏

رابعاً‏:‏ تولّي طرفي العقد

أ - في النّكاح‏:‏

6 - يجوز عند جمهور الفقهاء أن يتولّى شخص طرفي العقد في النّكاح، على التّفصيل التّالي‏:‏ قال الحنفيّة‏:‏ يجوز أن يتولّى طرفي عقد النّكاح واحد بإيجاب يقوم مقام القبول في خمس صور، كأن كان وليّا، أو وكيلا من الجانبين، أو أصيلا من جانب ووكيلا، أو وليّا من آخر، أو وليّا من جانب وكيلا من آخر‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ يجوز لابن عمّ المرأة إذا وكّلته على تزويجها، وعيّن نفسه لموكّلته ورضيت به، أن يزوّجها من نفسه بقوله تزوّجتك بكذا من المهر ولا يحتاج لقبول بعد هذا، لتولّي ابن العمّ الإيجاب والقبول، على أن ترضى الزّوجة بالمهر الّذي سمّاه ويشهد عدلان على تزويجها لنفسه، ومثل ابن العمّ الحاكم والوصيّ والكافل ووليّ الإسلام‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ للجدّ تولّي طرفي عقد تزويج بنت ابنه بابن ابنه الآخر، ويصحّ النّكاح في الأصحّ لقوّة ولاية الجدّ، والثّاني‏:‏ لا يصحّ لأنّ خطاب الإنسان مع نفسه لا ينتظم‏.‏

ولا يجوز لواحد من الأولياء غير الجدّ تولّي الطّرفين في عقد النّكاح، فلا يزوّج واحد من الأولياء موليته لنفسه بتولّيه الطّرفين بل يزوّجه بها نظيره في درجته ويقبل هو لنفسه فلا ولاية به حينئذ، فإن لم يوجد من هو في درجته زوّجها له القاضي‏.‏

وقال الحنابلة‏:‏ وليّ المرأة الّتي يحلّ له نكاحها وهو ابن العمّ، أو المولى، أو الحاكم، أو السّلطان إذا أذنت له أن يتزوّجها فله ذلك، وفي تولّيه طرفي العقد روايتان‏:‏

إحداهما‏:‏ له ذلك، لما روى البخاريّ تعليقا أنّ عبد الرّحمن بن عوف قال لأمّ حكيم‏:‏ أتجعلين أمرك إليّ ‏؟‏ قالت‏:‏ نعم، قال‏:‏ قد تزوّجتك، ولأنّه يملك الإيجاب والقبول فجاز أن يتولّاهما‏.‏ الثّانية‏:‏ لا يجوز أن يتولّى طرفي العقد ولكن يوكّل رجلا يزوّجه إيّاها بإذنها، لما روي أنّ المغيرة بن شعبة أمر رجلا زوّجه امرأة المغيرة أولى بها منه، ولأنّه عقد ملكه بالإذن فلم يجز أن يتولّى طرفيه كالبيع‏.‏

ب - في البيع‏:‏

7 - صحّح بعضهم تولّي طرفي العقد في البيع ونحوه من العقود على التّفصيل التّالي‏:‏

قال الحنفيّة‏:‏ إن باع الوصيّ أو اشترى مال اليتيم من نفسه، فإن كان وصيّ القاضي لا يجوز مطلقا، وإن كان وصيّ الأب جاز لشرط منفعة ظاهرة للصّغير وهي قدر النّصف زيادة أو نقصا، وقالا‏:‏ لا يجوز مطلقا، وبيع الأب مال صغير من نفسه جائز بمثل القيمة وبما يتغابن فيه وهو اليسير، وإلّا لا، وهذا كلّه في المنقول‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ ومنع بيع الوكيل ما وكّل على بيعه من نفسه لنفسه ولو سمّى له الثّمن على المعتمد لاحتمال الرّغبة فيه بأكثر ممّا سمّى، فإن تحقّق عدمها فيه أو اشتراه بحضرة صاحبه أو أذن له في الشّراء لنفسه جاز‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ ويصحّ التّوكيل في طرفي بيع وهبة، وسلم، ورهن، ونكاح وطلاق وسائر العقود والفسوخ، كالصّلح، والحوالة، والضّمان، أي يصحّ فيما له طرفان فيهما معا، أو في أحدهما، أو في حالة طرف واحد في ذلك الطّرف‏.‏

وقال الحنابلة‏:‏ من وكّل في بيع شيء لم يجز له أن يشتريه من نفسه في إحدى الرّوايتين، وكذلك الوصيّ لا يشتري مال اليتيم لنفسه، والرّواية الثّانية عن أحمد‏:‏ يجوز أن يشتري الوكيل والوصيّ مال الموكّل أو الموصى عليه بشرطين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن يزيد على مبلغ ثمنه في النّداء‏.‏ والثّانية‏:‏ أو يتولّى النّداء غيره‏.‏

ويجوز أن يشتري الأب لنفسه من مال ولده الطّفل‏.‏

تولية

التّعريف

1 - التّولية لغة مصدر‏:‏ ولّى، يقال‏:‏ ولّيت فلاناً الأمر جعلته واليا عليه، ويقال‏:‏ ولّيته البلد، وعلى البلد‏.‏ وولّيت على الصّبيّ والمرأة أي جعلت واليا عليهما‏.‏

وفي الاصطلاح تطلق التّولية بإطلاقين‏:‏ أحدهما‏:‏ موافق للمعنى اللّغويّ‏.‏

وثانيهما‏:‏ تطلق على التّولية في البيع وهي‏:‏ أن يشتري الرّجل سلعة بثمن معلوم، ثمّ يبيع تلك السّلعة لرجل آخر بالثّمن الّذي اشتراها به فإن قال‏:‏ ولّيتك إيّاها لم يجز أن يبيعه إيّاها بأكثر ممّا اشتراها أو بأقلّ، لأنّ لفظ التّولية يقتضي دفعها إليه بمثل ما اشتراها به‏.‏ وعرّفها الشّيخ عميرة من الشّافعيّة‏:‏ بأنّها نقل جميع المبيع إلى المولى بمثل الثّمن المثليّ أو عين المتقوّم ‏(‏القيميّ‏)‏ بلفظ ولّيتك أو ما يقوم مقامه‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الإشراك‏:‏

2 - الإشراك لغة‏:‏ جعل الغير شريكا، واصطلاحا‏:‏ نقل بعض المبيع إلى الغير بمثل الثّمن الأوّل - أي بمثل ثمن البعض بحصّته من الثّمن كلّه -‏.‏

ب - المرابحة‏:‏

3 - المرابحة لغة‏:‏ الزّيادة‏.‏

واصطلاحاً‏:‏ نقل كلّ المبيع إلى الغير بزيادة على مثل الثّمن الأوّل‏.‏

ج - المحاطّة‏:‏

4 - المحاطّة لغة‏:‏ النّقص‏.‏ واصطلاحاً‏:‏ نقل كلّ المبيع إلى الغير بنقص عن مثل الثّمن الأوّل‏.‏ والفرق واضح بين هذه الألفاظ وبين بيع التّولية وجميعها من بيوع الأمانة‏.‏

الحكم التّكليفي

أوّلا‏:‏ التّولية «بمعنى نصب الولاة «

5 - تولية إمام عامّ على المسلمين يفصل في أمورهم ويسوسهم فرض كفاية، مخاطب به أهل الحلّ والعقد من العلماء ووجوه النّاس حتّى يختاروا الإمام‏.‏

ودليل ذلك أنّ الصّحابة لمّا اختلفوا في السّقيفة، فقالت الأنصار‏:‏ منّا أمير ومنكم أمير، دفعهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما‏.‏ وقالا‏:‏ إنّ العرب لا تدين إلا لهذا الحيّ من قريش‏.‏ ورووا في ذلك أخباراً، فلولا أنّ الإمامة واجبة لما ساغت تلك المحاورة والمناظرة عليها ولقال قائل‏:‏ ليست بواجبة لا في قريش ولا في غيرهم‏.‏

وعلى الإمام أن يولّي من تحتاج إليه الدّولة في أمورها العامّة والخاصّة من وزراء وقضاة وأمراء الجيوش وغير ذلك، فإنّ أمر الدّولة لا يصلح ولا يستقيم إلا بتولية هؤلاء وأمثالهم، لأنّ ما وكّل إلى الإمام من تدبير الأمّة لا يقدر على مباشرة جميعه إلا باستنابة‏.‏

6 - والإمامة تنعقد من وجهين‏:‏ أحدهما اختيار أهل العقد والحلّ، والثّاني بعهد الإمام من قبل‏.‏ وفيما يتعلّق بشروط اختيار الإمام ومن يختاره وما تنتهي به الإمامة ومن يولّيهم الإمام لمعاونته من وزراء وغيرهم وصيغ توليتهم تفصيلات وشروط محلّها ‏(‏الإمامة الكبرى، وقضاء، ووزارة، وإمارة‏.‏ إلخ‏)‏‏.‏

7 - تولية الوزراء جائزة شرعا، فإنّ سيّدنا موسى عليه السلام طلب من اللّه تعالى أن يجعل له وزيرا من أهله ‏{‏وَاجْعَلْ لي وَزِيرَاً مِنْ أَهْلِي‏}‏ فإذا كان ذلك جائزا في النّبوّة فهو في غيرها أولى ‏{‏قَالَ قَد أُوتِيتَ سُؤلَكَ يَا موسى‏}‏ وتعيين الوزراء لمساعدة الأمير لا بدّ منه، إذ إنّ الأمير لا يستطيع وحده مباشرة جميع الأمور‏.‏

والوزارة على قسمين‏:‏ وزارة تفويض، ووزارة تنفيذ‏.‏والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏وزارة‏)‏‏.‏

تولية القضاة‏:‏

8 - القضاء فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولا خلاف بين الأئمّة في أنّ القيام بالقضاء واجب، ولا يتعيّن على أحد إلّا أن لا يوجد غيره فحينئذ يتعيّن إلزامه بتولّيه لئلّا تتعطّل مصالح النّاس‏.‏ أمّا الشّروط الّتي يجب تحقّقها فيمن يولّى القضاء، وفيمن يملك تولية القاضي، وفي اختصاص القاضي فمحلّها ‏(‏مصطلح قضاء‏)‏‏.‏

الولايات الأخرى‏:‏

9 - على الإمام أن يولّي في كلّ أمر من أمور الدّولة من يقوم بها، لأنّ أمور الدّولة لا تستقيم إلا إذا كان فيها من يقوم على مباشرتها‏.‏

قال أبو يعلى‏:‏ وما يصدر عن الإمام من ولايات خلفائه أربعة أقسام‏:‏

أحدها‏:‏ من تكون ولايته عامّة في الأعمال العامّة، وهم الوزراء، لأنّهم مستنابون في جميع النّظرات من غير تخصيص‏.‏

الثّاني‏:‏ من تكون ولايته عامّة في أعمال خاصّة، وهم الأمراء للأقاليم والبلدان‏.‏

لأنّ النّظر فيما خصّوا به من الأعمال عامّ في جميع الأمور‏.‏

الثّالث‏:‏ من تكون ولايته خاصّة في الأعمال العامّة، وهم مثل قاضي القضاة، ونقيب الجيوش، وحامي الثّغور، ومستوفي الخراج، وجابي الصّدقات، لأنّ كلّ واحد منهم مقصور على نظر خاصّ في جميع الأعمال‏.‏

الرّابع‏:‏ من تكون ولايته خاصّة في أعمال خاصّة، وهم مثل قاضي بلد، أو إقليم، أو مستوفي خراجه، أو جابي صدقاته، أو حامي ثغره، أو نقيب جنده، لأنّ كلّ واحد منهم خاصّ النّظر مخصوص العمل‏.‏

ولكلّ واحد من هؤلاء الولاة شروط تنعقد بها ولايته ويصحّ معها نظره تنظر في مواضعها‏.‏

الألفاظ الّتي تنعقد بها الولاية

10 - والألفاظ الّتي تنعقد بها الولاية ضربان‏:‏ صريح، وكناية‏.‏

فالصّريح أربعة ألفاظ «قد ولّيتك، وقلّدتك، واستخلفتك، واستنبتك «‏.‏ فإذا وجد أحد هذه الألفاظ انعقدت به ولاية القضاء وغيرها من الولايات، ولا يحتاج معها إلى قرينة‏.‏

وأمّا الكناية فقد قيل‏:‏ إنّها سبعة ألفاظ‏:‏ «قد اعتمدت عليك، وعوّلت عليك، ورددت إليك، وجعلت إليك، وفوّضت إليك، ووكّلت إليك، وأسندت إليك «فإن اقترن بها قرينة صارت في حكم الصّريح، نحو قوله‏:‏ «فانظر فيما وكلته إليك «واحكم فيما اعتمدت فيه عليك «‏.‏

فإن كان التّقليد مشافهة فقبوله على الفور لفظا، وإن كان مراسلة، أو مكاتبة، جاز أن يكون على التّراخي‏.‏ فإن لم يوجد منه القبول لفظا، لكن وجد منه الشّروع في النّظر، احتمل أن يجري ذلك مجرى النّطق، واحتمل أن لا يجري، لأنّ الشّروع في النّظر فرع لعقد الولاية فلم ينعقد به قبولها‏.‏ والكلام عن ذلك منثور في أبواب الجهاد والقضاء وغير ذلك‏.‏

ثانياً‏:‏ التّولية في البيع‏:‏

الحكم التّكليفيّ‏:‏

11 - اتّفق الفقهاء على أنّ بيع التّولية جائز شرعاً، لأنّ شرائط البيع مجتمعة فيه، وتترتّب عليه جميع أحكامه كتجدّد شفعة عفا عنها الشّفيع في العقد الأوّل، وبقاء الزّوائد للمولي - بكسر اللّام - وغير ذلك، لأنّه تمليك جديد، ولتعامل النّاس به إلى يومنا هذا، ولأنّ من لا يهتدي إلى التّجارة يحتاج أن يعتمد على فعل الذّكيّ المهتدي فيها، «ولمّا أراد عليه الصلاة والسلام الهجرة وابتاع أبو بكر رضي الله عنه بعيرين، قال عليه الصلاة والسلام ولّني أحدهما، فقال له هو لك بغير شيء، فقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ أمّا بغير شيء فلا»، فوجب القول بجوازها‏.‏

ما تصحّ فيه التّولية‏:‏

12 - ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والدّردير من المالكيّة إلى عدم جواز التّولية في بيع المنقول الّذي لم يقبض وجعلوه كالبيع المستقلّ‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ تجوز التّولية في الطّعام قبل قبضه، لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏ أنّه قال‏:‏ «من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتّى يقبضه ويستوفيه، إلا أن يشرك فيه أو يولّيه أو يقيله»‏.‏

وشرطها قبل قبضه‏:‏ استواء العقدين في قدر الثّمن وأجله أو حلوله وكون الثّمن عينا‏.‏

أمّا عند الحنابلة فتجوز التّولية في المبيع المعيّن قبل القبض فيما عدا المكيل والموزون ونحوهما ممّا يحتاج في قبضه إلى كيل أو وزن‏.‏

ما يشترط في بيع التّولية‏:‏

13 - أ - اشترط الجمهور في بيع التّولية أن يكون الثّمن في البيع الأوّل معلوما للمشتري الثّاني لأنّ العلم بالثّمن شرط في صحّة البيع، ولأنّ بيع التّولية يعتمد على أساس الثّمن الأوّل، فإذا لم يعلم الثّمن الأوّل فالبيع فاسد إلّا أن يعلم في المجلس ويرضى به، فلو لم يعلم حتّى افترق العاقدان عن المجلس بطل العقد لتقرّر الفساد‏.‏

14 - وقال المالكيّة‏:‏ إنّ من اشترى سلعة ثمّ ولّاها لشخص بما اشتراها به، ولم يذكرها له ولا ثمنها أو ذكر له أحدهما، فإنّ ذلك جائز إذا كان على غير وجه الإلزام، وله الخيار إذا رأى وعلم الثّمن، وسواء كان الثّمن عينا، أو عرضا، أو حيواناً‏.‏

وإن علم حين التّولية بأحد العوضين - الثّمن أو المثمّن - دون الآخر ثمّ علم بالآخر فكره البيع فله الخيار، لأنّ التّولية من المعروف تلزم المولي - بالكسر - ولا تلزم المولى - بالفتح - إلا بعد علمه بالثّمن والمثمّن‏.‏

15 - ب - اشترط المالكيّة أن يكون الثّمن معيّنا إن كانت التّولية في الطّعام قبل قبضه‏.‏ وأمّا فيه بعد القبض أو في غير الطّعام مطلقا فتجوز وإن كان الثّمن غير معيّن‏.‏

16 - ج - يشترط أن يكون الثّمن من المثليّات كالمكيلات، والموزونات، والعدديّات المتقاربة، سواء تمّ العقد مع البائع الأوّل أو مع غيره، فإن كان الثّمن ممّا لا مثل له كالعرض، فلا يجوز التّولية ممّن ليس العرض في ملكه، لأنّ التّولية بيع بمثل الثّمن الأوّل، فإذا لم يكن الثّمن الأوّل من جنسه كالذّرعيّات، والمعدودات المتفاوتة، فإمّا أن يقع البيع على عين ذلك العرض، وإمّا أن يقع على قيمته، وعينه ليست في ملكه، وقيمته مجهولة تعرف بالحزر والظّنّ لاختلاف أهل التّقويم فيه، ولكن يجوز بيعه تولية ممّن العرض نفسه في ملكه ويده‏.‏

17 - د - واشترط الحنفيّة أن لا يكون البيع صرفا حتّى لو باع دنانير بدراهم لا تجوز فيه التّولية، لأنّهما في الذّمّة فلا يتصوّر فيه التّولية، والمقبوض غير ما وجب بالعقد‏.‏

حكم الخيانة في بيع التّولية‏:‏

إذا ظهرت الخيانة في التّولية بإقرار البائع، أو بالبيّنة، أو النّكول عن اليمين، فإمّا أن تظهر في صفة الثّمن أو في قدره‏:‏

18 - أ - فإن ظهرت الخيانة في صفة الثّمن‏:‏ بأن اشترى شيئاً نسيئة ثمّ باعه تولية على الثّمن الأوّل ولم يبيّن أنّه اشتراه نسيئة ثمّ علم المشتري فله الخيار - عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - إن شاء أخذ المبيع وإن شاء ردّه، لأنّ التّولية عقد مبنيّ على الأمانة، إذ أنّ المشتري اعتمد على أمانة البائع في الإخبار عن الثّمن الأوّل، فكانت صيانة البيع الثّاني عن الخيانة مشروطة دلالة، فإذا لم يتحقّق الشّرط ثبت الخيار كما في حالة عدم تحقّق سلامة المبيع عن العيب‏.‏ وهذا إذا كان المبيع قائما، وأمّا بعد الهلاك أو الاستهلاك فلا خيار له، بل يلزمه جميع الثّمن حالا، لأنّ الرّدّ تعذّر بالهلاك أو غيره فيسقط خياره، وعند أبي يوسف من الحنفيّة أنّه يردّ قيمة الهالك ويستردّ كلّ الثّمن كما قال فيما إذا استوفى عشرة زيوفا مكان عشرة جياد وعلم بعد الإنفاق، يردّ مثل الزّيوف ويرجع بالجياد، وقال أبو جعفر‏:‏ المختار للفتوى أن يقوّم المبيع بثمن حالّ وثمن مؤجّل فيرجع عليه بفضل ما بينهما للتّعارف، وهذا إذا كان الأجل مشروطا في العقد وكذا إن لم يكن مشروطا فيه ولكن معناه متعارف بينهم أن يؤخذ منه في كلّ جمعة قدر معلوم‏.‏

وقال الحنابلة‏:‏ إن ظهر الثّمن الّذي أخبر به البائع المشتري مؤجّلا وقد كتمه، ثمّ علم المشتري تأجيله أخذ المبيع بالثّمن مؤجّلا بالأجل الّذي اشتراه البائع إليه، ولا خيار للمشتري فلا يملك الفسخ‏.‏ وحكى ابن المنذر عن أحمد أنّه إن كان المبيع قائما كان له ذلك إلى الأجل يعني وإن شاء فسخ، وإن كان قد استهلك حبس المشتري الثّمن بقدر الأجل وهذا قول شريح، لأنّه كذلك وقع على البائع فيجب أن يكون للمشتري أخذه بذلك على صفته، كما لو أخبر بزيادة على الثّمن‏.‏

19 - ب - وإن ظهرت الخيانة في قدر الثّمن في التّولية بأن قال اشتريت بعشرة، وولّيتك بما تولّيت ثمّ تبيّن أنّه كان اشتراه بتسعة، فذهب الحنفيّة والشّافعيّة - في الأظهر - والحنابلة إلى أنّه يحطّ قدر الخيانة ولا خيار للمشتري ويلزم العقد بالثّمن الباقي، لأنّ الخيانة في بيع التّولية تخرج العقد عن كونه تولية، لأنّها بيع بالثّمن الأوّل من غير زيادة ولا نقصان، فإذا ظهر النّقصان في الثّمن الأوّل ولو ثبت الخيار للمشتري خرج العقد عن كونه تولية وصار مرابحة، وهذا إنشاء عقد جديد لم يتراضيا عليه وهو لا يجوز فيحطّ قدر الخيانة ويلزمه العقد بالثّمن الباقي‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ إنّ البائع إذا كذب على المشتري بأن زاد في ثمن السّلعة على ما هو في الواقع سواء عمدا أو غير عمد والسّلعة قائمة، فإن حطّ البائع الزّائد فإنّه يلزم المشتري البيع وإن لم يحطّ فإنّ المشتري يخيّر بين أن يردّ السّلعة ويأخذ ثمنه أو يأخذ بجميع الثّمن الّذي وقع به البيع‏.‏

وقال محمّد من الحنفيّة وهو مقابل الأظهر عند الشّافعيّة‏:‏ للمشتري الثّاني الخيار إن شاء أخذ المبيع بجميع الثّمن وإن شاء ردّه على البائع، لأنّ المشتري لم يرض بلزوم العقد إلّا بالقدر الّذي سمّاه عن الثّمن فلا يلزم بدونه، وثبت له الخيار لفوات السّلامة عن الخيانة كما يثبت الخيار بفوات السّلامة عن العيب إذا وجد المبيع معيبا‏.‏

ولو هلك المبيع في يد المشتري الثّاني، أو استهلكه قبل ردّه أو حدث به ما يمنع الرّدّ كعيب مثلا لزمه جميع الثّمن عند الحنابلة، وفي الرّوايات الظّاهرة عند الحنفيّة، لأنّه مجرّد خيار لا يقابله شيء من الثّمن كخيار الرّؤية والشّرط‏.‏

وقال محمّد بن الحسن‏:‏ إنّه يفسخ البيع على القيمة إن كانت أقلّ من الثّمن حتّى يندفع الضّرر عن المشتري بناء على حاصله في مسألة التّحالف بعد هلاك السّلعة، أنّه يفسخ بعد التّحالف دفعا للضّرر عن المشتري ويردّ القيمة ويستردّ الثّمن كذا هاهنا‏.‏

وعند المالكيّة، إن فاتت السّلعة خيّر المشتري بين دفع الثّمن الصّحيح أو القيمة ما لم تزد على الكذب‏.‏ أمّا عند الشّافعيّة فقد قال النّوويّ‏:‏ إذا ظهر الحال بعد هلاك المبيع، فقطع الماورديّ بسقوط الزّيادة، قاله في الرّوضة، ونقله صاحب المهذّب والشّاشيّ عن الأصحاب مطلقا‏.‏ ثمّ قال النّوويّ‏:‏ والأصحّ طرد القولين السّقوط وعدمه، فإن قلنا بالسّقوط فلا خيار للمشتري، وإن قلنا بعدم السّقوط فهل للمشتري الفسخ ‏؟‏ وجهان‏:‏ أصحّهما‏:‏ لا، كما لو علم العيب بعد تلف المبيع، لكن يرجع بقدر التّفاوت كما يرجع بأرش العيب،